١٩‏/٤‏/٢٠٢٦•معارف

جُمَل في الجُمَّل

جُمَل في الجُمَّل

أهلًا وسهلًا حبيبي أسامة

الحمد لله بخير ونعمة، ستر بالمتر.

أسأل عنكم، كيف حالكم؟ عساكم طيبين؟

والله شوف، يعني أنت سألت عن حاجة معقدة والكلام فيها كثييييير ويصدع، ولو مشيت مع أي صوت في "العركة دي" حتطلع لك تهم من بقية الأصوات أشكال وألوان، وحتدخل جهنم، وتصير ظلامي رافض للحكمة، ومتخلف قامع للإبداع، وملهم يوحى إليك، ودجال ينصب عالناس... إلخ من الأشياء وأضدادها ونقائضها. وأنا صراحة كنت متخوّف يجيني بسببها هواء بارد، بس صملت وذكرت اللي شفته في المخطوط، وجرّبت اللي مر عليَّ في الكتب، مو حاجة اخترعتها. واللي ما عرفته أو عرفت له رقعته بأقرب حاجة تشبهه.

الحاصل، بإذن الله أجاوبك باختصار مخل وتطويل ممل، بس صبرك عليَّ كم يوم أجهزه، وأبشر.

 

 

العرب أمة مبدعة بالطبع، وإن كانت في ظاهرها ميالةً للعادة والورث والتقليد، فمن تفتّقت ألسنهم بالمعلقات شعرًا وجوامع الكلم نثرًا، ونزّلوا المعاني العجيبة صورًا تراها بأذنك وأمثالًا ترسخ في ذهنك جديرون بوصف الإبداع. وكذلك المسلمون؛ أمة مبدعة، بالطبع والدفع، وإن كانوا في ظاهرهم ميالون للعرف والتراث والتقليد. أما الطبع فظاهر، لابتناء أصل الأمة على العرب، ولاشتراك كثير من الأمم الداخلة في الإسلام في وصف الإبداع. أما الدفع؛ فلأن الشريعة حثت على ذلك، ورغبت فيه، ووضع له الشارع الحكيم سبحانه في طيّات تشريعه ما يسوق الناسَ له، لا بالأمر الظاهر في عمارة الأرض، والتفكر في بديع المصنوعات وحسب؛ بل في ذات الأحكام الشرعية، التي جعلتها موقوفة على تحصيل العلوم والمعارف، وابتكار الحلول للمشاكل لإنفاذ أمر الله فيها. ومن نظر في تشقيق المسلمين للعلوم والفنون المختلفة تبيّن له -بأيسر تأمل- علاقة الأمر الإلهي بالنهضة العلمية الذهبية. وقد أُفرد في هذا مكتوبًا غير هذا، لكني أكتفي في هذا المقام بإيراد مثال واحد يصلح للقياس عليه، وهو علم الفلك أو الهيئة كما اصطلح عليه الأقدمون.

صحيح أن المسلمين لم يكونوا بدعًا في الاهتمام بالفلك، فقد أفادوا من علوم السابقين كثيرًا، إلا أنهم أثْرَوا علم الهيئة بما لم يتفوق عليه أحد حتى عصر نهضة أوروبا، وما كان ليحصل ذلك لولا ارتباط الشعائر والعبادات بالسماء وما فيها؛ كالصيام والأهلة، والصلاة ودخول وقتها واتجاه قبلتها. فالصلاة شرطها التوجه للقبلة، والتوجه للقبلة يلزم معرفتها، ومعرفتها -إن لم تكن بالسمع عن ثقة- متوقفة على تحصيل شيء من الهيئة للتوجه إليها وإن أخطأ الاجتهاد. وهكذا تتلاقح الفهوم وتتوارد الأذهان على الفن الواحد حتى تأتي على ما يجود به عصرها تحقيقًا وبحثًا وتنقيبًا.

ومن الذي تبنّته الأمم وتواردت عليه؛ ما عُرف بحساب الجُمَّل بتشديد الميم، وهو مقابلة الأحرف بالأعداد، تسهيلًا للحساب، واختصارًا في الكتابة، فقبل حضور الرموز الرقمية 123456789 في فضاء الثقافات القديمة، كانت تُكتب الأرقام حروفًا. فإذا استدان زيد من عمرو تسعمائة وخمسين دينارًا، كتبوا (استدان زيد من عمرو تسعمائة وخمسين دينارًا)، ولأنها -كما ترى- تأخذ مساحةً من المواد التي يُكتب عليها، وكانت حينئذ نادرة قليلة، فصناعة الورق لما تنتشر بعدُ، اختصروا الأمرَ وكتبوا (استدان زيد من عمرو ظن دينار)1، لأن الظاء يساوي 900 والنون 50 في حساب الجمّل أو حساب الأبجدية، مأخوذًا من ترتيب (أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ) ثمانية وعشرون حرفًا، أول تسعة منها آحاد، والتسعة الثانية عشرات، والتسعة الثالثة مئات، وحرف الغين بألف. وفي الجدول تحت هذه الكلمات تفصيل كل حرف وقيمته، بناءً على حساب الجمّل المشرقي، وهو الأشهر.

قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 843هـ): "وحساب الجمّل موضوع قديمًا... وقد اختار المحدثون في استعمال حساب الجمّل القلم المسبَل، وأصحابه مختلفو المذاهب في ذلك، ولهم عدة أقلام أشهرها الأشكال التسعة الموضوعة على أبجد هوز حط، يكتبون التسعة المذكورة مهملة غير منقوطة هكذا 123456789، وهذه مرتبة الآحاد، فإن أرادوا الزيادة وضعوا الأشكال التسعة على الباقي... وأعجموا كل شكل بنقطة، وهي مرتبة العشرات، فإذا زادوا ذلك وضعوا الأشكال التسعة أيضًا وأعجموا كل شكل بنقطتين، وهي مرتبة المئين، ويبقى حرف واحد من حروف المعجم الثمانية والعشرين، وهو الغين المعجمة، وشكلها في القلم المسبل شكل الأَلِف التي هي أول الأشكال التسعة [=1] لكنها تعجم بثلاث نقاط"2.

[انظر جدول حساب الجمل]

إلى هذا الحد يبدو الأمر بسيطًا سهلًا، فهو طريقة لاختصار الكتابة، أو أسلوب لتشفير ما لا يُراد اطلاع الأغيار عليه. لكن التركيب والتعقيد لكل شيء بالمرصاد؛ فإن الأمم لم تُترك أي شيء على ظاهره من البساطة والسهولة، فطبع الإنسان للاختلاق والاختراق والشقاق والنفاق ميّال! فخالف المغاربةُ المشارقةَ في ترتيب الأحرف ومراتبها، فاختلفت عندهم قيَم ستة أحرف هي (الصاد، والضاد، والسين، والظاء، والغين، والشين) والأخير هو من احتل مرتبة الألوف في مقابلة الغين عند المشارقة. 

وأخذت أقوام تربط بين الأحرف والأرقام والموجودات، واجباتها وممكناتها، تارةً للتفنن؛ كما جرت عادة الشعراء بتأريخ الأحداث الكبرى؛ كوفيات الأعيان والأعلام في المرثيات، وجلوس الملوك على العروش أو انتصارهم على أعدائهم في المدائح، فمن الأخير قول الشيخ الأديب الشاعر برهان الدين إبراهيم ابن المبلط القاهري (كان حيًا في 991هـ) في تحديد سنة جلوس السلطان العثماني سليم الثاني بن سليمان القانوني

تولى مليك العصر وابن مليكه      بعز وتأييد ونصر وسلطانِ

ودولة ملك قلتُ فيها مؤرخًا        "سليم تولى الملك بعد سليمان"

فإن حسبتَ القيم العددية لحروف الشطر الأخير بحسب الجدول الذي أرفقته، تجد المجموع يساوي 974 وهو السنة التي اعتلى فيها العرش، ومن أراد التوسع في استعمالات حساب الجمّل الشعرية والإلمام بشيء من تطور صورها فليرجع إلى كتاب (روّاد النهضة الحديثة) لمارون عبود (ت 1381هـ)3

لكن الطامة الكبرى في استعماله رابطًا بين الغيب والشهادة، والتي جاءت من قبل اليهود، يقول ابن خلدون (ت 808هـ) في كلامه عن مدة بقاء العالم في الثقافات المختلفة: "ثم رجع السهيلي إلى تعيين أمد الملة من مدرك آخر لو ساعده التحقيق، وهو أنه جمع الحروف المقطعة في أوائل السور بعد حذف المكرر، قال: وهي أربع عشر حرفًا، يجمعها قولك (ألم يسطع نص حق كره) فأخذ عددها بحساب الجمّل فكان سبعمائة وثلاثة4، ولا يبعد ذلك أن يكون من مقتضيات هذه الحروف وفوائدها. قلت [= ابن خلدون]: وكونه لا يبعد لا يقتضي ظهوره ولا التعويل عليه. والذي حمل السهيلي على ذلك إنما هو ما وقع في كتاب السير لابن إسحاق في حديث ابني أخطب من أحبار اليهود حين سمعا من الأحرف المقطعة (الم) وتأولاها على بيان المدة بهذا الحساب فبلغت إحدى وسبعين، فاستقلّا المدّة وجاء حيّ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسأله: هل مع هذا غيره؟ فقال (المص) ثمّ استزاد (الر) ثمّ استزاد (المر) فكانت إحدى وسبعين ومائتين فاستطال المدّة وقال: قد لبّس علينا أمرك يا محمّد حتّى لا ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثمّ ذهبوا عنه وقال لهم أبو ياسر ما يدريكم لعلّه أعطى عددها كلّها تسعمائة وأربع سنين قال ابن إسحاق فنزل قوله تعالى (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) ولا يقوم من القصّة دليل على تقدير الملّة بهذا العدد لأنّ دلالة هذه الحروف على تلك الأعداد ليست طبيعيّة ولا عقليّة وإنّما هي بالتّواضع والاصطلاح الّذي يسمّونه حساب الجمّل"5. 

وقد روى الإمام الطبري في تفسيره عن "المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال: حدثني أبي، عن الربيع بن أنس، في قول الله تعالى ذكره : "الم" ، قال : هذه الأحرف، من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها. ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريم: "وعجيب ينطقون في أسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون؟". قال: الألف: مفتاح اسمه: "الله"، واللام: مفتاح اسمه: "لطيف"، والميم: مفتاح اسمه: "مجيد". والألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم: مجده. الألف سنة، واللام ثلاثون سنة  والميم أربعون سنة"6.

ويستبين من هذا النقل بدايات ارتباط الأحرف بتشوّف الإنسان للغيب، وإن كان هذا في البيئة العربية بدأ باليهود؛ فإن اليونانيين كانت لهم سابقة في ذلك إذا نظرنا في مدرسة فيثاغورس مثلًا، وكذلك نجد الأمر عند قدماء المصريين، بل ويمتد الأمر -ظنًا أو يقينًا- إلى سيدنا إدريس عليه السلام، المعروف بأخنوخ في الكتابيين، وهرمس الهرامسة عند غيرهم،

وههنا توقف عنان قلمي عن الإكمال، نظرًا لتشعب البحث وطول ذيوله، لأني أوردتُ أسماء وأمثلة، ولا أحب أن إلا إن أتيت على آخرها توضيحًا وتبيينًا، وإن فعلتُ طال المقال، والنفوس أكلّ من أن تكمله قراءةً، ونفسي أكسل من أن تكمله كتابةً، وفي تفصيل الجزء الأخير أبحاث يكثر فيها الأخذ والرد، وقد كان المقصود من هذا المقال تبيين الطريقة التي اعتمدتها في فك رموز مخطوط (مجالس شيخ الجماعة القطب العارف المهتدي أبي بصير فتح الدين عبد الحكيم بن الشيخ القدوة مؤمل كل يائس وظل العاري والبائس الشهيد كريم الدين عبد الرشيد الفراصعي المعروف بالواعظ الإخباري -أدام الله نفعه على العالمين، وجدد الرحمات على روضه في كل وقت وحين- في ذكر أهل الشر وصفتهم)

بتوضيح طرف من حساب الجمّل واستعمالاته عبر التاريخ وقد حصل بما هو أعلاه والحمد لله.

ثم سنح لي خاطر شيطاني بتشعيب المقال وإطالة النفس فيه لما حصل من التباس في بعض هذه العلوم التي تنازعها أقوام بين القديم والحديث، كباطنية إخوان الصفا، وبعض أوراد الصوفية، والوثنيين بأنواعهم ومختلف طوائفهم، والسحرة الحقيقيين، والدجاجلة المموهين، والروحانيين نوارنيين وظلمانيين، وهلم جرا.

أما المقام فلا يحتمل التطويل، وأما المتلقي فلا يحتمل المعاني غالبًا؛ لما يبدو في ظاهرها من مناقضة لما يعرفه، ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بأبواب البيوت، وإياه وتسور الجدران والنوافذ، فإنه يتعدى على حرمات، ومصير المتعدي القطع أو الانقطاع، وكلاهما شر، ولا يؤدي بصاحبه إلى خير وانتفاع. والكتب وإن كان فيها خير ومعرفة كثيرين؛ إلا أن الخلط والتخليط طالها، إما وهمًا أو عمدًا، ولا يسلم العامل بها من شر ينالُه، وما في الصدور أكثر وأنفع، والله من وراء القصد.

فيصل، يركب البحر إما وإما

السبت 23 صفر 1448هـ


1- انظر الموسوعة العربية العالمية (334/9)

2- التبيان لبديعة البيان (133/1)

3- روّاد النهضة الحديثة (الفصل الثالث: شعراء الأمير)

4- الحسبة المذكورة خاطئة، المجموع الصحيح 692

5- تاريخ ابن خلدون (414/1)

6- تفسير الطبري (202/1)

الوسوم:

جاري تحميل التعليقات...