٢٢‏/٨‏/٢٠٢٦•مراجعات

روايات لم تروني

ما في هذا المكتوب آراء شخصية غير موضوعية، لا يُعتد بها في أي محفل من المحافل المحلية أو الدولية.

أرى أنه من العبثية بمكان أن يُسأل عن جدوى الأدب، سواء المنثور أو المنظوم، الشرقي والغربي، العتيق والحديث؛ إذ هو القالب الذي حفظ للبشرية حكمتها منذ فجر التاريخ، وأفترض أنه ما يحفظها كذلك حتى الآن، مهما تنوّعت الصور التي يظهر فيها هذا القالب، فالسينما، والمسرح، والحكواتي؛ كلها ظهورات لعين الأدب، فمن كرهه من جهة أحبه -ولو استمتاعًا- من جهة أخرى.

ومع أننا في زمن العبثية سمته السائدة، والتساؤل عن البدهي والضروري حاصل فيه كما هو مشاهد؛ سأضرب صفحًا عن تقرير الجدوى وأدخل في صلب ما أريده مباشرةً دون تطويل المقدمات.

إذا لم أجدني في ما أقرأ، مفتقرًا له معرفيًا أو ذوقيًا أو لحظيًا بمتعة؛ فإني لا أفكر مرتين في ترك الكتاب، إذ أفكر ثلاث أو أربع مرات، لأني أخشى أن تكون الفائدة أو المتعة في الصفحة التالية أو الفصل الموالي. لكن مذ وقفتُ على قول بعضهم (الكتب كثيرة، والعمر عن أكثرها يقصر)، وحسبة البعض الآخر لما يمكن أن يقرأه الإنسان في سنيّ حياته إن مد الله في عمره لسن كذا، زهدتُ في كثير مما لم أجد فيه بغيتي ابتداءً، وضاق صدري عن إكمال كثير من الكتب، أو اتسع صدري للتوقف في منتصف كثير من الكتب، بعد أن كنت أطيل التردد، ومصاديق ذلك كثيرة، ووجدتُ أقربها وأيسرها للحديث؛ الروايات.

طالما أسرتني مرآتية الروايات للواقع عمومًا، ولنفسي خصوصًا، فكم وكم وجدتُني في طيات الكتب وسطور الأدب، مرةً في جملة، وأخرى في شخصية، وثالثة في شعور ما استطعت لوصفه سبيلًا. ومهما بلغت شطحات الرواية وخروجها عن المألوف؛ إلا ما ستجد عادةً خيطًا رفيعًا يربطها بما تعيش، أو أعيش، إذ سأتحدث عن روايات لم تروني أنا، ولا أقصد بكلامي التعبيرَ عن غيري، وهي ثلاث حتى كتابة هذا المقال.

أما الأولى، وهي -إن لم أّهِم- أول رواية أهملها في منتصفها، بعد أن صبرتُ على ثقلها وعبثيتها كثيرًا، وذاك لأنها توصيةُ شخصٍ تذكرها لمّا تقابلنا، فقد شبهني ببطلها العبثي، الذي لا يعبأ بأحد أو شيء، زوربا، من همه ما يلج في بطنه وما يخرج من فرجه. ولستُ أدري الآن بحقيقة شعوري تجاه تشبيهي بشخص أقرب ما يكون إلى الحيوان. ولا أدري لماذا طار بها من طار، فهي جامعة لمتناقضات بعيدة عن الواقع، شخصية يهزها كل شيء وأي شيء، تهلع لأدنى طارئ، وأخرى مهملة متثاقلة لا تعبأ بكل شيء وأي شيء، إذا حزبها شيء أمسكت أداةً موسيقية لا أذكرها وغنت بصوت مزعج! وسبحان الله يتخذ الأول من الثاني قدوةً أو مثلًا أعلى أو أستاذًا يتعلم منه، فلما وجدتها هكذا، وكانت بدايتها أصلًا ثقيلةً عليَّ، ولم أر وجه التشابه بيني وبين الحيوان زوربا؛ صرفتُ نظري عنها.

أما الثانية، فهي رائعة -من الترويع- جوزيه ساراماغو (العمى)، وهي وإن كانت جيدة بناء الشخصيات والأحداث، إلا أنها وعظية موغلة في الوعظ والتوجيه، تقمّصت فيها ساراماغو روح أم تربي أبناءها، أو كاهن يرشد أسقفية، أو شيخ تسنم منبرًا، تفجعك نبرة الوعظ بها في كل صفحة وسطر، والأخير للمبالغة في سياق الدراما. صحيح أنها عكست تغوّل المجتمع في أكل الضعيف، وآليات صناعة الطغمة المتسلطة وإن اشترك كل أفراد المجتمع في السمات، لكني لم أحتمل أن يطعمني الكاتب الفكرةَ بالملعقة، وتوقفتُ عن قراءتها لما رأيت أن الكاتب يدور في حلقات لا يخرج منها.

وثالثة الأثافي رواية اسمها (بخلاف ما سبق) لكاتب ظننتُه ناشئًا، وعلى هذا الظن اشتريتُ الرواية دعمًا للكتاب الصاعدين، اسمه عزت القمحاوي، فإذا به شيخ في شرخ السبعين، فاز بجوائز أدبية، والمشكلة أني لم أعرف هذه المعلومات إلا وقت كتابتي لهذه الأسطر، وإلا فقد استمر ظن نشئته طوال قراءتي لبعض روايته. وهي قبيحة الشكل والمعنى، يحاول فيها الكاتب مجاراة سحرية ماركيز الواقعية، وواقعية تولستوي الدرامية، لكنه ما أفلح في أي منهما. وفيها شخصية استفزت غضبي وقرفي، مثقف مبالغ في ثقافته، (خمورجي) لا يسير إلا ومعه مسكرٌ، ومع ذلك فهو ابن الريف وابن ابنه، ولم يخرج منه يومًا! وفوقها أنه محيط بفلسفات الشرق والغرب، عدميّها ووجوديّها، في صورة معرفية يستحيل حصولها عادةً إلا بتوقيف أو توفيق إلهي!

هذا، وما كان أعلاه من حط وتنقيص فهو عرَضي غير مقصود، والناظر في هاته الروايات لن يُعدم متعة أو فائدة، وأقلها أن يعرف مستواها من الأدب، ويدرك ما أدركه بالخبر عيانًا، والأدب والتأدب من وراء القصد.

فيصل، يتناقد ويتناقض

السبت 9 ربيع الأنور 1448هـ

الوسوم:

جاري تحميل التعليقات...