غريبٌ أن تبدأ من المنتصف، في كل شيء وأي شيء، حقيقةً ومجازًا، علميًا وعمليًا، وأظن ذلك مما يتفق فيه عموم الناس على اختلاف طوائفهم وصنائعهم، فإن سألت أهل التعليم عن ذلك وجدتهم يكرهونه، فلا يصح للطالب عندهم أن يجتاز مرحلةً أو أكثر في سلم التعليم ليبدأ في المرحلة المتوسطة مثلًا، إلا ما استثني. وكذلك أهل التوظيف والاستخدام؛ لا يعطون القيادة لحديث تخرجٍ، إلا ما استُثني. وقس على ما مثلتُ ما شئتَ. وهو شذوذ عن السَنن والسُنن، وبعدٌ عن سبيل العقلاء إن أردنا التصعيد، ولا أريدُه. كلام أردت قوله، لا أدري إن كان سيمتُّ لما بعده بصلة.
ومقلقٌ أن تجهلَ النهايات، في كل شيء وأي شيء... إلخ، لأنه يبقي المرءَ متقلبًا في الأحوال، ولكل حال أحكامًا، وهو مكلف على كل حال، وللنفوس جموح للخروج عن التكليف؛ كالطالب مع الواجب، والموظف مع أوقات الحضور، وطالب الاستقامة والالتزام، ومعتزل الناس والاجتماعيات، وقس على ما مثلتُ ما شئتَ. وهذا كسابقه.
أشتاق للكتابة ولمشاركة الأفكار، ولا أدري ماذا حصل لي معها، لم أعد أكتب! عام لم أكتب فيه شيئًا، وزدتُ عليه أشهرًا. وإن كتبتُ ما أكملتُ، وإن توهمتُ الاكتمال فيما كتبتُ ما نشرتُ، وبقيتُ غارقًا أو عالقًا في بحر من المسودات، وأنصاف المشاريع، ومرادات لا تناسبها أفعالي، وأفعال لا تماشي أقوالي، وأقوال لما أتأملها لا أجدني فيها، وإن وجدتني؛ وجدتُ نسخةً مشوهة مني، والتشوّه هنا لا بمعنى القبح والسوء، إنما بمعنى عدم الاتساق والتناسب، وإن كان الأخير تعريفًا عند البعض للقبح، إذا عددنا التناسق والتنظيم من مقومات الجمال.
أما العقبة الكؤود، والمسوّدة السوداء التي عطلت كل شيء؛ يا ليتها كانت ملحمةً أدبية، أو موسوعة علمية، أو سيرة تعتبر بها النفوس الإنسية*، إذ حينها أُعذر بها، وتشفع لي عند الناس، أو يستحسنها ذوي العقول النيّرة. لكنها مقالة في موضوع مكروه قديمًا وحديثًا، وإن اهتم به كثرةٌ كاثرة، وتأثر به أكثر منهم، وعاداه الأكثر، وتكاد كل الأمم أن تتقاطع فيه بين متبنٍّ ونابذ، ومبيح ومحرم، وكاره ومستحسن، ومعتقد ومنتقد.
وهي وإن كانت في نظري غير مكتملة، فنفسي أطمعتني بتوسيعها حتى أحيط بغالب جوانبها، لكن الموضوع أكبر وأوسع من الإحاطة، وكلما أطلت الكلام زاد تعرضي للسهام، لأن أحد أسباب ترددي في أمرها؛ احتمالية فتحها لأبواب الهواء البارد عليَّ، وأنا مع حبي للبرد، أخاف من الهواء البارد الذي أحتمل هبوبه بسببها، وعقلي ما ينفك يوسوس لي بالقولة السائرة (الباب اللي يجيك منه ريح؛ سدّه واستريح)، ونفسي تعاند وتبرر أو تبربر بأن ما سأتناوله باب من أبواب العلم المطروقة، وكل شيء وأي شيء -والعلم كذلك- كالسكين؛ إما تقطع بها ما تأكل أو تقتل بها من تعادي!
ولأقطع هذا وذاك؛ سأنشرها بعد هذا المكتوب، غاضًا الطرف عن كمالها ونقصانها، وعن الجوانب التي أغفلتها، وما يُحتمل من جدل ونقاش قد يُثار، وسب ودعاوى قد تمسّني، وكثّر الله خير المحامين من الأحباب والمقربين.
وبما أن سياق الحديث بدأ عن الابتداء، هذه تدوينتي الأولى في هذه المنصة، عساها تكون بداية خير وبركة، لا أكرر فيها مكتوبات المدوّنة الأولى، إذ في الأولى معانٍ جاشت في صدري تقيأتها هناك، وفي الثانية أتقيأ أفكار ضج بها عقلي. وكذلك قبلَ أمس دخلتُ الثلاثين من سنيّ عمري، وهو عدد طالما تهيبته، وشاركتُ بعض مشاعري وأفكاري في رسائل ومكتوبات متفرقة، لعلي أجمعها في مكتوب واحد، ولعل هنا بمعنى الاستبعاد لا الترجي.
الحاصل، أرى أني أطلت الكلام بنحو ما، وإن كان لا بد من تطويله تعويضًا وتشفّعًا، لكن الأمل في القادم كبير، أما مقدمات البدايات والنهايات، فهي هواجس تلاعبني، ألهمني أن تكون المقدمة دخولي العقد الرابع من حياتي، ومجيئه بُعيد البداية، إذ عادة الإنسان ألا يستأنف أو يبتدئ شيئًا إلا على رأس الوقت، أول السنة، أو أول الساعة، أو أول الأسبوع… إلخ**، لذا لا تجد أحدًا يبدأ مهمةً إذا وجد الساعة تشير إلى 3:17، أو يقرر الذهاب للنادي وسطَ اليوم، أو رحلةَ التدوين في الشهر الثاني من السنة الهجرية، مثلي، لكن رجائي أن أكسر القاعدة، أو أعتبر الشهر الثاني بداية سنتي الميلادية.
هذا، والله يأتي بالخير لي ولك عزيزي القارئ.
فيصل، يبدأ مرة أخرى
* السجع مرادٌ فلا تستثقله قارئي العزيز.
** تدوينة في عداوة التبكير