الحنين: شعور دافئ عميق من الاشتياق واللهفة إلى شخص، مكان، ذكرى جميلة، أو فترة زمنية مضت.
لطالما كان شعور الحنين مُغريًا بالنسبة لي، أحب مَشاهده في الشعر والحياة، شعور ذو شجون تأخذك فيه اللهفة لسَكرةٍ تحبها روحك ويرقّ لها قلبك، دائمًا هناك شيء ينتزعك للماضي، للأمس، للحظةٍ مضت، لما قبل الآن.
لا يحنّ الإنسان لطفولته فقط، إنما كلما تقدم في العمر وبلغ سنةً جديدة حنّ لعامه الماضي، لشيءٍ بقيَ هناك ولم يأتِ معه، على اعتبار أننا كلما كبُرنا فقدنا شيئًا منا، وكلما عاصرنا الحياة فقدنا شيء، وكلما اخترنا شيء فقدنا أمامه شيئًا آخر.
ورغم العناء الذي كان يلقاه أجدادنا وقلة الحيلة قديمًا -مقارنةً برفاهية اليوم- إلا أن هناك دائمًا حنين يتنازع في صدورهم لماضيهم، تحكي جدتي -رحمها الله- ألمها في وفاة والدتها وهي طفلة، ومعاناتها مع المسؤوليات التي تكالبت عليها في طفولتها، ثم تعود مجددًا لتقول «زمان أول كنا وكنا، أووه يا زين ذيك الأيام» وتبكي.
وهذا قد ينافي الفكرة التي تقول «الحنين لا يكون إلا للأشياء الجميلة، طبعًا لن يحنّ الإنسان لألم، لكنه قد يحنّ لماضيه رغم وجود الألم، يحنّ لوطنه رغم قسوته عليه، ويفضّله على نعيم الغربة، ومهما تمرّغ بنعيم حاضره، إلا أن هناك شعور يجرّه للخلف، يدفعه لتمنّي عيشه مجددًا.
يرتبط الحنين غالبًا بالزمان، وهذا ما يكرره أجدادنا وآباؤنا، زمانهم “زمن الطيّبين” ويحنّ الإنسان للمكان كما الزمان، لجدرانٍ وأبوابٍ وسلالم قد تكون اهترأت وشاخت بفعل الزمن، إلا أنه يرى فيها الحياة، يحنّ لأبسط الأمكنة، ممشًى بدأ فيه خطواته الأولى نحو نفسه، أو حديقة غرّدت فيها ضحكات عائلته، وحنين المكان يكون للذكريات التي تكوّنت وكبُرت فيه، لما سمعته الجدران ووطأته الأقدام، للزوايا التي كانت يومًا مخبأً، والمرايا التي شهدت سنين العُمر ولون اللحظات على ملامحنا، كما يقول سعود السنعوسي «شعورنا بالحنين للأماكن لا يزول بمجرد العودة إليها؛ فهو ليس حنينًا للأماكن وحسب، بل هو حنين للأشخاص والظروف والأشياء التي اجتمعت في تلك الأماكن»
والجمادات ليست بمنأى عن الحنين، فهي تحنّ وتشتاق لأصحابها أيضًا، وفي هذا يقول الشاعر منصور الشادي «الأماكن كلها مشتاقة لك» ثم ينتقل «والحنين اللي سرى بروحي وجالك، ما هو بس أنا حبيبي، الأماكن كلها مشتاقة لك» تُبادل الأمكنة حنينها للإنسان كما يحنّ هو لها، وهي صورة مجازية بليغة جدًا يراها الإنسان ويتصوّرها في غياب أحبابه، أن تحنّ الجمادات لأهلها، والأرض لموطئ أقدامهم، فتجدب دونهم. وفي هذا أبيات رائعة لأحمد بخيت في قصيدته الليالي الأربع «أنا في البيت، والجدران من دون الأحبة سجن، يشيخ الباب والدرج اليتيم بلا خُطاك يئنّ، أحتى هذه الأخشاب تُغرم مثلنا وتحنّ؟»
والوطن حنين المكان أيضًا، شجًى لا تطوى مسافاته ولا يُطبّب ألمه، حنين يكبر معك حتى تفنى روحك، في هذا قال الجواهري عن شوقه للعراق «سهرتُ وطال شوقي للعراقِ، وهل يدنو بعيدٌ باشتياق؟ وهل يُدنيك أنك غير سالٍ، هواكَ وأنّ جفنك غير راقي، وما ليلي هنا أرقٌ لديغٌ، ولا ليلي هناك بسحر راقي، ولكن تربةٌ تجفُو وتحلو، كما حلَتِ المَعاطنُ للنياقِ» وهنا يشير إلى أن الحنين لا يستلزم الشوق لنعيمٍ أو رفاه، فهو يحنّ لوطنه رغم الأسى «ولكن تربةٌ تجفو وتحلو»
وقال شاعر في حنينه لنجد عندما مرض في الشام: «جاء الأطباء من حمصٍ تخالهم، من جهلهم أن أُداوى كالمجانينِ، قال الأطباء: ما يشفيك؟ قلت لهم، شمّ الدخان من التسرير يشفيني، إني أحنّ إلى أدخان محتطبٍ، من الجُنينة جزل غير موزونِ»
وفي الحنين إلى نجد يقول قيس بن الملوّح أبيات رائعة يحنّ فيها لريح نجد فكيف بأرضها «ألا يا صَبا نجد متى هجتِ من نجدٍ فقد زادني مسراك وجدًا على وجد» «أحنّ إلى نجدٍ فياليت أنني، سُقيت على سلوانه من هوى نجد، ألا حبّذا نجدٍ وطيب ترابه، وأرواحه إن كان نجدٌ على العهد»
ويبكي الشاعر وطنه ومسقط رأسه ومهد شبابه حين قال «إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي، وأضحى فؤادي نهبة للهماهم، حنينًا إلى أرض بها اخـضر شاربي، وحلّت بها عني عقود التمائم،
وألطف قوم بالفتى أهل أرضه، وأرعاهم للمرء حق التقادم»
وللوقوف على الأطلال متعةٌ لا تنتهي، يجد بها الإنسان أُنسه في هذا الشجن، ومنها ما بدأ به امرؤ القيس مُعلّقته «قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول وحومل»، ومجنون ليلى «أمرّ على الديارِ ديارِ ليلـى، أقبّل ذا الجدار وذا الجدار» وعنترة «عفتِ الديار وباقيَ الأَطلالِ، ريح الصَبا وتقلب الأحوال، وعفا مغانيها وأخلَق رسمها، ترداد وَكفِ العارض الهَطّال»
ولمحمد عبد الباري بيت جميل أحبّه، يمر فيه على الحنين سريعًا «دخلوا القصيدة وهي تُغلق نفسها، وتجمعوا في الذكريات رُكاما» أو «هي حصةٌ لك في الرجوع فسمّها مثلي، زيارة أصدقاء قدامى»
أمّا درويش فيقول «أحنّ لخبز أمي وقهوة أمي» وقصيدته التي كلها حنين في حنين «رسالة من المنفى». ولا أنسى رائعة بخيت رام الله «رجعُ الكمان أخو المكان وأخته، وأنا على مرمى الحنين مُوَلّه، للهيل بوصلة الحنان، وتائهٌ تكفيه قهوة أمّه لتدله»
ولعل أقسى أنواع الغربة هو غربة النفس عن نفسها، وحنين الإنسان لنفسه «وأعنف ما احتواه اليوم صدرٌ، حنين المرء يا سلمى لنفسه» يمرّني هذا البيت كثيرًا في غربة الأيام واللحظات، ويصبح كل ما حولي ضباب، وأتوه أتوه، وأمشي دون هُدًى، كما تقول روضة في أبياتها «وكأن شيئًا ما بهذي الروح غادر لم يعُد، وكأن ضوءًا بها انطفأت رغائبه القديمة أن يضيء ليستدل به أحد» فلا تعُد تسليك أمانيك القديمة، ولا تستدعيك أشياؤك المحببة. ويرثي السيّاب غربة روحه حين قال «يا غربة الروح في دنيا من الحجر، والثلج والقار والفولاذ والضجر، يا غربة الروح لا شمس فأئتلق، فيها ولا أفق يطير فيه خيالي ساعة السحر»
وأمرّ لمامًا على ما يحضرني من الشعر النبطي لبدر بن المحسن -رحمه الله وغفر له- «ليه باقي لك وسط صدري حنين؟» ثم يرثي نفسه بعد يأس اللقاء «صاحبي بموت من كثر الحنين، خلني بختار لحظة مقتلي» ولعل ختام هذا البيت أقسى ما يكون، وفي ملامح غربة المكان قال «وما ادري ليه هالشارع نسوه الناس، ومتى هالمقعد الخالي يجوه الناس، حبيبي ليه في غيابك يغيبوا الناس؟» «أحبك وش بقى مني حطام العاشق المغرور، وما أظن الزمان اللي مضى يرجع من أسبابك، ولكن صدقيني الصدق في هذا الزمان شعور» «وجت تاخذ رسايلها، وخصلة من جدايلها، وتديني جواباتي، بقايا عمر بسماتي»
لماذا نحنّ للعودة؟ رغم أن الحاضر قد يكون أجمل، لعلنا نحنّ لما فقدناه منّا، أجزاءً من أرواحنا.
«أنا عندي حنين، ما بعرف لمين؟»

