قراءة في رواية الخوف، ستيفان زفايغ

أنوار
أنوارتأمّلات في الحياة والإنسان١٢‏/٩‏/٢٠٢٦5 دقائق قراءة
قراءة في رواية الخوف، ستيفان زفايغ

“الخوف” الرواية التي لم أستطع حبس شعوري عنها وتأجيله، إنما أود الكتابة عنها الآن، في نفس اليوم الذي أنهيته فيها، أغلقت آخر صفحةٍ وداخلي متذبذب بين التوقّد والهشاشة والارتباك، وكأني كنت أركض لمسافةٍ طويلة، متورّطة بردة فعلٍ معينة، بحُكمٍ ما، رغم أني غير ملزمة به، أنا أمام قصة، وعلي الاستمتاع فقط، لكني دائمًا أجد نفسي متورطة بكلمة تختم هذه الفوضى.

نفَسي يلهث -حقيقةً لا مجاز-، رائع زفايغ، يستطيع في رواية أو نوفيلا لا تتعدى الثمانين صفحة، وبأسلوب سردي ممتع وبسيط وذكي، أن يتحدث بكل عُمقٍ وذكاء يحلل فيه الإنسان، هذا الكائن العجيب الغريب، يجعلك تكتشف في كل مرة شيئًا تجهله، شيء قد مر عليك أو خالج قلبك.

يقول أحمد بخيت “الخوف يا ابن الخوف” أنت ابنه يا إنسان، متجذّر فيك، كبُر معك وعاشرك وكوّن هُويتك.

وزفايغ يقول لك “الخوف أشدّ من العقوبة، لأن العقوبة محددة دائمًا بمدة مهما كانت خطورتها”

في هذه الرواية يوضّح لك زفايغ عقوبة الخوف، ويعرض لك في حدثٍ واحد فقط كيف يتغير الإنسان وينقلب حاله من السعادة للحزن، ومن الراحة للقلق، ومن الأمان للتهديد، لماذا؟ بسبب الخوف.

وما الذي يدفع الإنسان أصلًا للمغامرة، لأن يقع في الخوف ابتداءً، ولماذا يُخطئ إن كان هناك خوف وقلق، وما دامت النهاية وخيمة، وكل ما سيفعله أصلًا يُنافي أخلاقه ومبادئه؟

الشعور والفعل، من الحَكم؟

الشعور، إحساس لا إرادي، لا يد للإنسان فيه ولا سُلطة، هو يحدث داخله وينشأ دون أمرٍ منه “عاطفة/ رغبة”، لا ذنب عليك فيه.

الفعل، أمر إرادي يُوجّهه الشعور، وهنا يأتي المنطق والإرادة والأخلاق، وظيفة العقل والدين والأخلاق تحدد قيامك به من عدمه، فلا أحد يلومك على شعورك، إنما أنت مُلام على طريقة استجابتك له، وأول من سيلومك، نفسك.

كيف يكون الملل والاعتياد سببًا في الخطأ؟

إيرين، زوجة المحامي، تعيش حياة برجوازية مريحة، رفاهية في كل شيء، زوج طيب، أبناء، بيت وخدم، وسعادة، حياة تسير على وتيرةٍ واحدة.

كل شيء متوفر دون طلب، وكل شيء مُجاب دون عرض، لم تجرّب شعور المقاومة والتذبذب، لذا.. هي تبحث الآن عن اضطرابٍ ما يُزلزل كيانها، تشعر معه أن شيئًا في حياتها يحدث، يحرّك الاستقرار التام فيها.

ذكّرني هذا بعبارة استهلّ بها مسلسل مصري قصته، مأخوذ عن قصة أجنبية -لم أكمله وشاهدت منه حلقاتٍ يسيرة لا تتجاوز السبع تقريبًا-، قال فيها الخائن، وهو رجل متزوج ولديه أبناء يعيش حياة سعيدة “بعد لما توصل الأربعين، بتحس بملل من الاستقرار اللي وصلت له، زواج؟ وتزوجت، عيال؟ وصار عندك عيال؟ وحياتك المادية مستقرة، عايز حاجة كدا تقلقك، تحرك حياتك شويّا” ليخون زوجته بعدها، طمعًا في هذا القلق.

المغامرة

اختارت إيرين المغامرة في العشق، بخيانة زوجها وكل النعيم الذي وهبه لها، وقعت في المحظور وعشقت وعاشت علاقة غرامية مع عازف بيانو، ثم ظهر ما يُهدد هذه العلاقة ويفضح سرّها، تبع هذا التهديد ابتزاز مالي لكسب الصمت، وفي كل مرة كانت تواجه إيرين هذا التهديد تعيش حالة رعبٍ فظيعة، فقدت سعادتها المملة -كما كانت تقول عنها-، راحة بالها واستقرارها، أصبح كل ما حولها يشكّل قلقًا عليها، وأصبحت رهينة هذا الشعور “الخوف”، ثم تمنّت حينها السعادة والاستقرار الذي كانت هي سببًا في ضياعه.

الخوف، مجرد شعور، لكنه سجن

يعرض لك زفايغ كيف تعيش إيرين هذا الخوف والرهبة، وكيف يكون “مجرد شعور” شيء غير مادي، عقابًا على صاحبه، لذا يقول لك “الخوف أشد من العقوبة، لأن العقوبة محددة دائمًا بمدة مهما كانت خطورتها”، عجيب كيف صوّر الحالة التي يصنعها الخوف في الإنسان، ثم يتساءل “لماذا أصلًا نغامر في الخطأ مع معرفة ما سيؤول إليه من سوء؟”، وهنا تكتشف إيرين حقيقة علاقتها بعازف البيانو، لم تكن تحبّه، وشعرت أنه غريب عنها، لكنها أحبّت الشعور الذي منحها هو، اندفعت إليه طلبًا في المغامرة والقلق، أعاد لها مغامرة المراهقة واضطراب مشاعرها، حرّك ركود حياتها، احتاجت أن تشعر بالقلق والخوف، هذا الخوف الذي كان حاجةً في بدايته، ثم صار عقابًا بعدها.

وهنا يطرح زفايغ الاعتراف كجزء من مواجهة هذا الخوف، ما مدى صعوبة الاعتراف؟ ولماذا أصلًا نمتنع عنه؟ ما سبب اعترافنا بالخطأ للغريب قبل القريب؟ ثم يكون هذا الحوار بينهما حول عدم اعتراف ابنتهما على خطئها، يعرض فيه قضاياه أنموذجًا من عمله كمُحامٍ:

وهذا يُفسّر ارتياح الإنسان لإظهار ضعفه وعيوبه وأخطائه أمام الغريب، لأن صورته عند الغريب لا تهمه، ولا يهمه إذا تركه أو رحل عنه، أمّا صورته أمام القريب، أمام الشخص الذي آمن به وأمّن له ووثق به، هي ما يُخجله، ويجعله يتقزّم أمام نفسه، لذا يتجنب الاعتراف.

وهذا ما ظلّت تقاومه إيرين وعجزت عنه، رغم أن زوجها لمّح كثيرًا بمسامحته لها والعفو عن خطئها -رغم فظاعته-، إلا أنها كانت في كل مرة تنوي الاعتراف، تخجل وتتوقف، فتصوَّر يا عزيزي حجم المعاناة في مقاومة الاعتراف لشخصٍ أخطأت بحقه، بينما أنت تقابله كل يوم، تجلس وتأكل وتنام معه، تخيّل حجم شعورك بالإهانة أمام نفسك أولًا!

هكذا عاشت إيرين وقد غفر لها زوجها ذنبها، إلا أن الخوف عاقبها طويلًا، وهو في زمن الرواية لا يتجاوز العشرة أيام على ما أظن، لكنه في زمن الضمير سنواتٍ من العذاب.

من الضحية هنا؟

بين إيرين وزوجها، من الضحية؟

إيرين ضحية الشعور، لم أتعاطف معها، إنما قدّرت شعورها بالخطأ، وهي مُذنبة، لكني في الوقت نفسه لا أراها شريرة تمامًا، لأنها جمعت الخصلتين من كل شيء، داخلها شعور بالخطأ مقابل تجاوزها، وتقدير لزوجها وحبها له مقابل خيانتها له، ضميرها لا زال مستيقظًا، ولكن لو قِسنا كل ضحايا الشعور على هذا المعيار، سنتعاطف مع الكل! وهذه سخرية وظُلم.

يختلف هنا حجم الخطأ ونوعه، من الأخطاء ما يُغتفر، ومنها لا.

تعاطفت مع الزوج، كتمانه لسرّها وعدم مواجهتها به، غفرانه لحقارة ذنبها بهذا النُبل، ولكنه أدهشني باختيار هذا العقاب، وهو عقاب قاسٍ وذكي، أراد منها أن تعترف، وحاول كثيرًا دفعها لهذا بشكلٍ غير مباشر، بلينٍ وعطف ورجاء متخفّي، طلب تعجيزي ومعقّد، ثم رأى عجزها عن الاعتراف عدم ثقةٍ من طرفها به، كونه أقرب الناس لها، وهذا ما ضايقه، لذا في حواره معها عن ابنته، كان يقصدها.

الخُلاصة، رواية رائعة ومربكة ولذيذة جدًا في السرد والتحليل، ومتعبة.

”اذهب لخوفك فيك، وحدك عاريًا، من أيما كِبرٍ وأية ذلة“

الوسوم:

أنوار

أنوار

تأمّلات في الحياة والإنسان

تأمّلات في الحياة والإنسان

  • 4 تدوينة
  • يكتب منذ أكتوبر 2026
جاري تحميل التعليقات...