أهلًا، أكتب هنا مراجعة وتأملات في كتاب الجنوبي الذي كتبته عبلة الرويني عن زوجها أمل دنقل، وأعتقد أنها ستكون مراجعة بعيدة نوعًا ما عن معيار واضح في التقييم، هي قراءة وتأملات قد تخرج عن السياق، أخذتني بعض النصوص لما هو أبعد، اعتبروها ”سوالف“
بدايةً، وإن كنت لم أقرأ لأمل دنقل كثيرًا في شعره، إلا أني في اليسير الذي قرأته لم يعجبني شعره كثيرًا، ولعل أشهر قصائده التي أحببتها ”لا تصالح“، رغم أني كنت قد اشتريت أحد دواوينه الشعرية أو أعماله الكاملة -إن لم تخُنّي الذاكرة-، لكني قلّبت في الصفحات دون نصٍ يقبض على دهشتي، فتركته، وقد أكون لم أمنحه فرصة الاكتشاف والتعرّف على شعره.
وهنا أنا أقرأ سيرته وإن لم يعجبني شعره كثيرًا، فليس من الضروري الإعجاب بعمل شخص وما يُنتجه حتى تقرأ سيرته، تحديدًا سيرة الشعراء والأدباء، أراها تحمل روحًا مختلفة، وبها معنى يجعلك تتبعه.
شخصية أمل غريبة، مُركّبة من صفاتٍ عدة متنافرة، حنون وحاد في الوقت نفسه، ذا مسؤولية ولا مُبالٍ معًا، شُجاع وصارم، ورقيق، هي شخصية غير مناسبة للزواج، إنما للحُب فقط، يعيش يومه ليومه، ويترك الغد لوقته، كما تقول عنه زوجته: «فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبة شديدة، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف في جرأة ووضوح، وكتوم ولا تدرك ما في داخله أبدًا»
«صخري شديد الصلابة، لا يخشى شيئًا ولا يعرف الخوف أبدًا، لكن من السهل إيلام قلبه»
يقول أمل عن نفسه كشاعر في وصفٍ أو تعريفٍ رائع استوقفني «شاعر، قانون الصدفة يحكم علاقته بالشعر ليقف على أرض الهُواة لا المحترفين، لأن تعمّد الشعر أو لبس العباءة الشعرية يحرم الشاعر من ميزة التلقائية والتجربة الاجتماعية» ولعلي أرى في هذا الوصف جمالًا نقيًا غير مسبوق، فالتلقائية في مثل الشعر والنثر والسرد من أجمل ما يكون، والهاوي أجمل من المحترف -وإن لم يكن هذا بالمطلق حتى نكون منصفين ومنطقيين-، لكني شاهدة على أن الكتّاب المغمورين الذين أصادفهم على منصات التواصل الاجتماعي، أقرأ منهم ما يأسر الجمال ويحرّك القلب ويهتف في الروح معنًى خفيّ وحقيقي، لأنها نصوص حرّة، لا تلتزم برأي جمهور أو قانون قلم، إنما تكتب من النفس للنفس، وكذلك الشعر، وهو نتاج التجربة الإنسانية والاجتماعية، فيأتي في لحظته دون الاستعداد له، إنما يُترك موعده للمفاجآت.
في رسالةٍ كتبها لزوجته قبل الزواج بها، قال فيها «إنني لا أبحث فيك عن الزهو الاجتماعي، ولا عن المتعة السريعة العابرة، ولكني أريد علاقة أكون فيها كما لو كنت جالسًا مع نفسي في غرفة مغلقة» وأنا توقفت عند هذه العبارة «كما لو كنت جالسًا مع نفسي في غرفة مغلقة» سبق وقرأتها، لكني أتوقع أنها عبارة مشابهة لكاتبٍ أجنبي، أو هي لأمل نفسه، ولا أدري إن كان هذا مُمكنًا، أعني أن تألف إنسان إلى حد أن تشعر كأنك وحدك في غرفةٍ واحدة رغم أنه يشاركك هذه اللحظة، ولكني أعتقد بصعوبة هذا الانسجام التام أو الاتحاد الكامل، يبقى لكل إنسان خصوصيته وإن كشف أغلبها، هناك جزء يقبع في الظلام، شيء خاص لا يظهر إلا أمام نفسه، بل وقد يتوارى حتى عنه.
في الصفحة ٣٤، تقول عبلة في بدايتها «ظل الاطمئنان الكامل هو جوهر ما يبحث عنه أمل في علاقاته، ولهذا اتسمت صداقاته دائمًا بالمسافة التي تمنحه في لحظات الثقة إمكانية الرؤية، وتمنعه من ذلك الالتصاق النفسي بأحد» والكلام هنا يُشير إلي أيضًا، لطالما كانت المسافات هي ما يُشكّل علاقتي بالآخرين، من الصعب تسليم نفسي بالكُلية -وإن كان هذا مجازًا، كونه أمر لا يحدث أصلًا-، أخشى فكرة الالتصاق، وأرى في المسافة مساحة للبصيرة والأمان، بصيرة تساعدك على تقدير وفهم الأمور، وأمان يحميك من خيانة التوقع وحُسن الظن.
أمل إنسان حقيقي، حقيقي جدًا، فهو دائمًا ما يكون فظًا عند شعوره أن للآخر سلطة عليه أو على تشكيل مسار الحياة، فيخرج من كل إطارٍ ودائرة ليكون عفويًا غير مُتسق، رحبًا ممتدًا دون قيد، قلقه الدائم، سلب حرية الإنسان.
تقول عبلة «إنه ينسى وجودي، وكأني صرت نفسه، فيمارس صمته الطويل وشروده وقراءاته المستمرة»
«الصمت ملمح هام في طبيعة أمل داخل المنزل، ولعل طبيعة الكتمان الذي يفرضه على مشاعره، وعلى قلبه جزء من طبيعة الصمت الذي يمارسه، مكتسبًا بذلك معنى التواصل، وكأنه حين لا يقول وليس حين يقول» ثم في إشارة لعلاقته بوالدته تقول على لسان أمل «هذا أجمل ما فيها، إنها تعرف كيف تصمت معي» كنت أرى في الصمت إشارة لتوتّر العلاقة، لأنك في صمتك تشعر أن اللحظة تصرخ بأشياء كثيرة تخفيها أنت بدافع حفظ الود أو تجنب الجدال، أو لتذبذب العلاقة ابتداءً، لكني قرأت قبل مدة هذه العبارة «الصمت المشترك حميمية مطلقة» مع نفيي لها مطوّلًا، وكأني لم أفهمها على الوجه المطلوب، حتى تذكرت بعض علاقاتي، فآمنت أن هناك أشخاص تصمت معهم، لا مُكرهًا، إنما مطمئنًا راضيًا، متناغمًا مع هذا الوجود بينكما، صمت لا يُلزمك بشيء، لا البحث عن حديث ولا تأويل نظرة أو حركة، ولا فرض أي نوع من التواصل، بل الصمت هو التواصل في ذروته.
أمل رغم شخصيته المتناقضة -إن صح القول-، فهو يحمل التضاد في كثير من صفاته، إلا أنه ثابت مستقر قوي في مواقفه وثورته، قال مرةً لعبلة حين أضربت عن الطعام بسببه ثم لم تتحمل الجوع فأكلت «المواقف الصغيرة لا يصح أن نمارسها، والمواقف ذات خطوط الرجعة، ببساطة ليست مواقف» فإما أن تثبت، وإلا فلا تقرر الثورة أصلًا.
يُقال أحيانًا أن المبدع يرفض الروتين والالتزام ويعيش في فوضى خلاقة، يرفض أمل الالتزام بوظيفة أو مسؤولية، لذا كان الزواج بالنسبة له مستحيلًا حتى التقى عبلة، ولكنه لم يلتزم بوظيفة ولم يفكر ببيت أو غيره «فهمه الوحيد، وطموحه الأكبر، أن يعيش لحظة الإيقاع النادر بينة بين نثر الحياة اليومية وتوتر الشعر» أمل ابن اللحظات، لا العُمر.
وفي تساؤلٍ أتساءله (هل نحكم على حال الإنسان/ انحرافه تبعًا لظروفه التي أنتجت هذا الانحراف، بعودتنا لماضيه؟ أم أن هذا الجزء الفاعل لا يهمّنا، فنتعامل مع حالته بما هو عليه الآن؟ بالتالي نضعه موضع المتهم ونتجنبه ونحكم عليه جزافًا) في هذا تقول عبلة عن أمل الذي كان لا يُدين أي بشر مهما كان حاله، تصف حالها بعد زيارة فتاة ليل لأمل واستماعه وتعاطفه معها دون حكمٍ عليها «ظل هذا المشهد وتلك الزيارة الليلية زمنًا في ذاكرتي، ولعله هز الكثير من أفكاري، فأن أكون طيبة مع الطيبين لا شيء، إنها الأخلاق العادية، لكن أن نلتمس هذا الحس الإنساني في قلب السقوط، أن تعذبنا دموع امرأة منحرفة، أن نتقابل وجهًا لوجه مع البؤس والألم، هذا هو ما يحول قلوبنا إلى شعراء، كان هذا هو قلب أمل»
وهذا ما لا يجيده أغلبنا -وإن كانت تغلبنا العاطفة أحيانًا-، وفيلم الجوكر أنموذجًا على هذا، في تصويره المجرم مظلومًا نتيجة التنمّر والظلم الذي كان يُمارس عليه، ولكن لو تصرف كل إنسان وفق سوء ظروفه، لأصبحنا في غابة، فالمجرم مجرم.
«لم تكن لأمل لحظة تجلٍ مع الكلمات، يؤمن بثبات تجلّيها، فالشاعر الذي يتجلى مع كلماته، يترك نفسه مع موسيقى اللغة، بينما اللغة إناء للأفكار وأداة للتوصيل، دون سحر خاص بها كمفردة، ولكن بما تكتسبه من السياق» ولعلي أتفق معه بنسبةٍ كبيرة، فالكلمة العادية محببة ومدهشة من شخص له في القلب مكانة ومعزّة، ولو جاءت ذات الكلمة من غيره، فهي مجردة كلمة، لا تستقر ولا تكتسب معنًى.
يقول أمل «يصبح فرحك أجمل داخلك، مثلما يصبح حزنك أنبل دون الشكوى به» وفي هذا أتذكر قصيدة بلبل الغريب في بيتٍ رائعٍ منها «قد تبهر الأحزان وهي سوافر، لكن أحلاهنّ حزنٌ تنقّبا» وأتذكر قصيدة حاتم العراقي رحمه الله «لا تشكُ للناس جرحٌ أنت صاحبه، لا يؤلم الجرح إلا مَن به ألم» حزن الإنسان عزيز، وكشفه يُعرّي شيئًا من كرامته.
وهذا ما سار عليه أمل -رحمه الله- في حياته كلها، وفي مرضه وتجربته مع السرطان، التجربة التي أراد التعامل معه كشاعر، لكن المرض تعامل معه كجلاد، حتى نفدت محاولاته في أن يكون شجاعًا وقويًا، «وبكى، بكى العجز والمرض والعذاب.»
عبلة «هل أنت حزين؟
أشار وهو عاجز عن الكلام تمامًا، بأن نعم.
إنها المرة الأولى التي يقول فيها أمل (نعم)، إنه القرار الذاتي بالموت»
رحمه الله وغفر له

